أشعل البوعزيزي، حين أضرم النارَ في ذاته، كلَّ الذوات التوّاقة إلى الانعتاق. فما كان من الدول العربيّة سوى الاشتعال دولةً تلو أخرى. لكنّ الذات الفلسطينيّة المتوقّدة دومًا للتحرّر والانعتاق، وجدتْ نفسَها في مناخٍ يشبه مناخَها الخاصّ، أمام ذواتٍ بدأتْ للتوّ رحلتها نحو الحريّة. المناخ الجديد دعوةٌ شهيّةٌ إلى إعادة صياغة الأسئلة الكبرى، بصيغةٍ تتناغم مع اللحظة التاريخيّة التي تخطّها الثوراتُ العربيّة، لتطرحَ الأهمّ: سؤالَ الوجود والمصير. أنّه السؤال الذي رافق فلسطينَ منذ بداية الاحتلال، وما يزال يتشكّل ويتلوّن بتغيّر الظروف، فتعود تلك الذاتُ لتسأل من جديد: أين فلسطين في خضمّ ما يحدث في البقعة العربيّة من العالم؟ ولئن تواضع أغلبُ المفكّرين والمتابعين للشأن الفلسطينيّ على ربط مصير فلسطين بمصائر الدول العربيّة، فقد وجد السؤالُ عن المصير المفتوح الآفاق مشروعيّةَ الطرح، ومشروعيّةَ النقاش.
تفكُّرٌ في معنى السؤال
قبل الخوض في تساؤلات الذات الفلسطينية عن تأثير الثورات العربيّة في مستقبل القضيّة الفلسطينيّة، وقبل البحث عن إجاباتٍ محتملةٍ لتساؤل كهذا، لا بدّ من وقفةٍ أمام السؤال نفسه. إذ كيف يمكن الحديثُ عن إستراتيجيّةٍ بلا مخطّط؟ كيف يمكن أن نُسائل الثورات العفويّة عن موقع القضيّة الفلسطينيّة من برنامجها... الذي لمْ يُرسمْ بعد؟! وإذا كانت اللغة السياسيّة هي من صنيعة التكنولوجيّات السياسيّة، وتخضع في هذه المرحلة لتهديمٍ تنجزه الثوراتُ في دولةٍ تلو الأخرى، فأيّ لغةٍ ستفي بالغرض؟ هل يمكن الحديث الآن عن عقلانيّةٍ سياسيّةٍ تقود ما يحدث في المنطقة العربيّة، أم هي عقلانيّةٌ سياسيّةٌ قيد التشكُّل؟ هل سننجذب بسحر الثورة وننسى في هذا الخضمّ غيابَ الرؤى النظريّة المتكاملة للواقع العربيّ ما بعد الثورة؟ بل نتساءل عن إمكانيّة لحاق النخب العربيّة - التي كانت مشغولة إلى عقودٍ مضت في صراعاتها الإيديولوجيّة - بما أنجزه الشارعُ العربيّ خلال شهور؟ هذا على مستوى كلّ دولةٍ على حدة، فكيف لنا بسؤال فلسطين الذي يُثير في الوجدان مشروعَ الأمّة العربيّة المأمولة؟!
قبل الخوض في تساؤلات الذات الفلسطينية عن تأثير الثورات العربيّة في مستقبل القضيّة الفلسطينيّة، وقبل البحث عن إجاباتٍ محتملةٍ لتساؤل كهذا، لا بدّ من وقفةٍ أمام السؤال نفسه. إذ كيف يمكن الحديثُ عن إستراتيجيّةٍ بلا مخطّط؟ كيف يمكن أن نُسائل الثورات العفويّة عن موقع القضيّة الفلسطينيّة من برنامجها... الذي لمْ يُرسمْ بعد؟! وإذا كانت اللغة السياسيّة هي من صنيعة التكنولوجيّات السياسيّة، وتخضع في هذه المرحلة لتهديمٍ تنجزه الثوراتُ في دولةٍ تلو الأخرى، فأيّ لغةٍ ستفي بالغرض؟ هل يمكن الحديث الآن عن عقلانيّةٍ سياسيّةٍ تقود ما يحدث في المنطقة العربيّة، أم هي عقلانيّةٌ سياسيّةٌ قيد التشكُّل؟ هل سننجذب بسحر الثورة وننسى في هذا الخضمّ غيابَ الرؤى النظريّة المتكاملة للواقع العربيّ ما بعد الثورة؟ بل نتساءل عن إمكانيّة لحاق النخب العربيّة - التي كانت مشغولة إلى عقودٍ مضت في صراعاتها الإيديولوجيّة - بما أنجزه الشارعُ العربيّ خلال شهور؟ هذا على مستوى كلّ دولةٍ على حدة، فكيف لنا بسؤال فلسطين الذي يُثير في الوجدان مشروعَ الأمّة العربيّة المأمولة؟!
لا يُمكن الإجابة عن سؤال تأثير الثورات العربيّة في مستقبل القضيّة الفلسطينية بشكلٍ علميّ أو عقلانيّ رصين؛ ذلك أنّ الثورات العربيّة، في حقيقة الأمر، تجاوزتْ خطابات منظّري التحرر ومثقفي النخبة. إنها ثوراتٌ أفرزتْها الشوارعُ العربيّة، وأفرزتها خطاباتُ سُلطٍ لم تكن تعني ما تقول. ثوراتٌ هدفُها تغييرُ القائم، أمّا البديل فهو ما سيُنجز في حينه إذا ما كُتِب لهذه الثورات النجاحُ والاستمرار. بالإضافة إلى أنّها، حتّى الآن، ثوراتٌ قيد التحقّق. وهناك ثوراتٌ قيد البدء!
فلسطين الرّوح
منذ الربع الأخير من القرن المنصرم، تشظّت الروح الفلسطينيّة مع ازدياد تنوّع التنظيمات السياسيّة في الداخل والخارج الفلسطينيّ. وفي ظلِّ الركود السياسيّ العربيّ فقدتْ هذه التنوّعات بريقها نتيجةً لانحسار فاعليّتها أمام تزايد الدعم الغربيّ للكيان الإسرائيليّ، والخذلان والتواطؤ العربيين معه. بل أخذ هذا التنوع يزيد من ضعضعة الروح الفلسطينيّة، خاصةً مع اتساع الهوّة في طرائق النضال المتّبعة لدى التنظيمات السياسيّة، والمنبنية على إيديولوجيّاتٍ متنافرة.
منذ الربع الأخير من القرن المنصرم، تشظّت الروح الفلسطينيّة مع ازدياد تنوّع التنظيمات السياسيّة في الداخل والخارج الفلسطينيّ. وفي ظلِّ الركود السياسيّ العربيّ فقدتْ هذه التنوّعات بريقها نتيجةً لانحسار فاعليّتها أمام تزايد الدعم الغربيّ للكيان الإسرائيليّ، والخذلان والتواطؤ العربيين معه. بل أخذ هذا التنوع يزيد من ضعضعة الروح الفلسطينيّة، خاصةً مع اتساع الهوّة في طرائق النضال المتّبعة لدى التنظيمات السياسيّة، والمنبنية على إيديولوجيّاتٍ متنافرة.
ومع اتجاه أنظار العرب صوب العراق كجرحٍ عربيٍّ جديدٍ افتتحتْ به أمريكا سياستَها الجديدة في المنطقة تحت مسمّى "مكافحة الإرهاب"؛ ومع محاولة الغرب فرضَ نمط هيمنةٍ جديد على منطقة الشرق الأوسط بكاملها؛ ومع اصطفاف الأنظمة العربيّة بين مؤيّدٍ خجل ومعارضٍ شرس؛ أُسدلت الحُجبُ على الروح الفلسطينيّة كقضيّةٍ مركزيّةٍ تُعبّر عن حقّ شعبٍ في استعادة أرضه وتقرير مصيره، وأُلحقتْ متمّمًا للمواقف السياسيّة الجديدة من النظام العالميّ الجديد، المفروض من قبل الأنظمة الغربيّة في سبيل شرق أوسط جديد.
اعتقلت الأنظمة العربيّة السابقة الروحَ الفلسطيني، وحاولتْ تقنين توقّده في قنواتٍ تخدم بقاءها واستمرارها في الحكم. ولئن انتهجت هذه الأنظمة منهجين متناقضين في التعامل مع القضيّة الفلسطينيّة، إلا أنّ المشترك فيهما كان تهميشَ هذه القضيّة من مركزٍ للعمليّة السياسيّة إلى طرفٍ قويّ تثقّل به المواقفُ السياسيّة.
انقسمت الأنظمة العربيّة أمام فلسطين إلى:
1ـ أنظمة وطّدت العلاقة مع إسرائيل، عبر المعاهدات والاتفاقيّات، وعبر ضخّ ثقافة التطبيع فكرًا وعملاً، قاصدةً بذلك الدعمَ الغربيّ لمشروعيّة السلطة وتوريثها في دولها، ولتكريس صيغة تبعيّة هذه الدول للنظام العالميّ بما يحقّق مكاسب ضيقة قياسًا إلى المشاريع الوطنيّة الكبرى.
2ـ أنظمة جاهرتْ بالقطع مع إسرائيل، وانتهجتْ سياسة المقاومة، وصُنِّفتْ بأنها أنظمة الممانعة. وقد اتّسمتْ بمواقفها العلنيّة المضادّة لإسرائيل، وبإيديولوجيّتها المقاومة. وتجلّى فعلُها السياسيّ بالعمل الذي يتناسب طردًا مع زيادة أسهم دورها الإستراتيجيّ في المنطقة، وتكريس سلطتها على شعوبها تحت مُسمّى "المعركة الكبرى ضدّ إسرائيل" بشكلٍ أكبر من العمل الذي يخدم القضيّة الفلسطينيّة والشعب الفلسطيني بشكلٍ مباشرٍ... هذا من دون التنكّر لبعض المنجزات التي تحقّقتْ ضمن هذا السياق.
1ـ أنظمة وطّدت العلاقة مع إسرائيل، عبر المعاهدات والاتفاقيّات، وعبر ضخّ ثقافة التطبيع فكرًا وعملاً، قاصدةً بذلك الدعمَ الغربيّ لمشروعيّة السلطة وتوريثها في دولها، ولتكريس صيغة تبعيّة هذه الدول للنظام العالميّ بما يحقّق مكاسب ضيقة قياسًا إلى المشاريع الوطنيّة الكبرى.
2ـ أنظمة جاهرتْ بالقطع مع إسرائيل، وانتهجتْ سياسة المقاومة، وصُنِّفتْ بأنها أنظمة الممانعة. وقد اتّسمتْ بمواقفها العلنيّة المضادّة لإسرائيل، وبإيديولوجيّتها المقاومة. وتجلّى فعلُها السياسيّ بالعمل الذي يتناسب طردًا مع زيادة أسهم دورها الإستراتيجيّ في المنطقة، وتكريس سلطتها على شعوبها تحت مُسمّى "المعركة الكبرى ضدّ إسرائيل" بشكلٍ أكبر من العمل الذي يخدم القضيّة الفلسطينيّة والشعب الفلسطيني بشكلٍ مباشرٍ... هذا من دون التنكّر لبعض المنجزات التي تحقّقتْ ضمن هذا السياق.
تنداح الآن الروحُ الفلسطينيّة متحرّرةً من هيمنة الأنظمة العربيّة، وتثور كلّ يومٍ مع كلِّ ثورةٍ عربيّة: تستجمع كلّ انتفاضاتها، كلّ تقلّصاتها، لتمدّدها على أيدي الشباب العربيّ، الحاملِ الجديدِ لنضالها. ما هو معروفٌ حتّى الآن هو زوال الطغمة المستبدّة القابضة على الحياة. وما هو معروفٌ حتّى اليوم هو أنّ الشباب العربيّ يخطّ طريقه تجاه تقرير مصيره طلبًا لحياةٍ أفضل. إنه انزياحٌ مهمٌّ ومفصليّ في تاريخ فلسطين، انزياحٌ من قبضة الأنظمة المستبدّة إلى أحضان شعوب هذه الأنظمة. هذا الانزياح لا بدّ أن يُسفر عن نتائج مختلفة، ولا بدّ لهذه النتائج أن تصبّ في الصالح الفلسطينيّ؛ ففلسطين أمام الرّوح الشاب، في الأقلّ، تقبض على فسحتين من الحياة:
- الفسحة الأولى: تتجلى في المُمكن الذي ستقدّمه إليها الثوراتُ العربيّة، وهو رهنٌ بنجاح هذه الثورات ونجاح الشباب في حمايتها من الالتفافات السياسيّة لإجهاض أهدافها. وهناك ما يدلّ على أنّ المُمكن يحمل في جعبته الكثير.
فمثلاً، تونس تخوض اليوم صراعاتٍ من أجل مناهضة التطبيع مع إسرائيل ووضعه بندًا دستوريّاً في دستور تونس الجديدة. وفُتح معبرُ رفح من قبل الجانب المصريّ، وتمّ تفجيرُ أنابيب الغاز التي تصدِّر الغاز إلى إسرائيل، واحتضنت مصر المصالحة الفلسطينيّة بين "حماس" والسلطة الفلسطينيّة. وفي سوريا ـ التي ما تزال تعاني مخاضها- يتمّ الحديث عن هويّة المقاومة والإصرار على أنّ نظامًا ديمقراطيّاً لا يتناقض مع مفهوم المقاومة، الأمرُ الذي يدلّل على رسوخ هذا المفهوم وجدانيّاً لدى الشعب السوريّ بغضّ النظر عن استمراريّة النظام أو زواله. وكلّ هذه مقدّماتٌ تبشّر بالخير قياسًا بالمدّة الزمنيّة القصيرة نسبيّاً.
- الفسحة الثانية: تتجلّى في الواقعيّ الذي يجب أن تأخذه الروحُ الفلسطينيّة من الثورات العربيّة، وهو نهجُ النضال الجديد. إنّ احتكار الأنظمة المستبدّة للقوّة أفضى إلى مناهضة القوّة بالسلْم، وجعل الثوراتِ ثوراتٍ بيضاءَ تنهج العصيان المدنيّ، والخروجَ إلى الشوارع، واحتلالَ السّاحات العامة. وهذا النهج لا يقوم على قيمةٍ أخلاقيّةٍ بقدر ما يقوم على جدوى سياسيّة. وفي حال فلسطين قد يكون ما حدث درسًا جديدًا في خطّ نضاليّ جديد.
في الفسحة الأولى تفرض الثوراتُ العربيّة منجزاتِها، فتتلقّاها فلسطين. أما في الفسحة الأخرى فيَفرض الفلسطينيون وحلفاؤهم ما يريدون: تتوافد الحشودُ على الحدود؛ وتناقَش قضيّةُ أسطول الحريّة الثاني؛ متضامنون يقاومون الرفض ويُحجزون في طائرات إصرارًا منهم على كسر الحصار عن غزّة.
- الفسحة الأولى: تتجلى في المُمكن الذي ستقدّمه إليها الثوراتُ العربيّة، وهو رهنٌ بنجاح هذه الثورات ونجاح الشباب في حمايتها من الالتفافات السياسيّة لإجهاض أهدافها. وهناك ما يدلّ على أنّ المُمكن يحمل في جعبته الكثير.
فمثلاً، تونس تخوض اليوم صراعاتٍ من أجل مناهضة التطبيع مع إسرائيل ووضعه بندًا دستوريّاً في دستور تونس الجديدة. وفُتح معبرُ رفح من قبل الجانب المصريّ، وتمّ تفجيرُ أنابيب الغاز التي تصدِّر الغاز إلى إسرائيل، واحتضنت مصر المصالحة الفلسطينيّة بين "حماس" والسلطة الفلسطينيّة. وفي سوريا ـ التي ما تزال تعاني مخاضها- يتمّ الحديث عن هويّة المقاومة والإصرار على أنّ نظامًا ديمقراطيّاً لا يتناقض مع مفهوم المقاومة، الأمرُ الذي يدلّل على رسوخ هذا المفهوم وجدانيّاً لدى الشعب السوريّ بغضّ النظر عن استمراريّة النظام أو زواله. وكلّ هذه مقدّماتٌ تبشّر بالخير قياسًا بالمدّة الزمنيّة القصيرة نسبيّاً.
- الفسحة الثانية: تتجلّى في الواقعيّ الذي يجب أن تأخذه الروحُ الفلسطينيّة من الثورات العربيّة، وهو نهجُ النضال الجديد. إنّ احتكار الأنظمة المستبدّة للقوّة أفضى إلى مناهضة القوّة بالسلْم، وجعل الثوراتِ ثوراتٍ بيضاءَ تنهج العصيان المدنيّ، والخروجَ إلى الشوارع، واحتلالَ السّاحات العامة. وهذا النهج لا يقوم على قيمةٍ أخلاقيّةٍ بقدر ما يقوم على جدوى سياسيّة. وفي حال فلسطين قد يكون ما حدث درسًا جديدًا في خطّ نضاليّ جديد.
في الفسحة الأولى تفرض الثوراتُ العربيّة منجزاتِها، فتتلقّاها فلسطين. أما في الفسحة الأخرى فيَفرض الفلسطينيون وحلفاؤهم ما يريدون: تتوافد الحشودُ على الحدود؛ وتناقَش قضيّةُ أسطول الحريّة الثاني؛ متضامنون يقاومون الرفض ويُحجزون في طائرات إصرارًا منهم على كسر الحصار عن غزّة.
فلسطين الجسد
يوم الأرض، الثلاثون من آذار. ذكرى النكبة، الخامس من أيّار. يتوافد الشبابُ الفلسطينيّ إلى حدود فلسطين الجسد، ليرسموا بأجسادهم الحيّة ـ التي ما تزال حيّة، والتي ماتت لتوّها ـ معالمَ جسد فلسطين الذي تاه في كواليس السياسة. هو جسدُ فلسطين يرتسم بقامات أبنائها حتّى في أجزائها العذراء. ثمة اندفاعٌ على الحدود وكأنّه اندفاعٌ موجّهٌ نحو هدفٍ واضح المعالم. هي ذي رمزيّةُ انتفاض الجسد المُغتصب، الجسد الذي يُطهّر سطوحه بيديه ليزيل آثارَ الألم ورائحته. الشباب الفلسطينيّ يرسم معالم فلسطين الجسد، طارقًا كلَّ أبوابها، تحفزه رغبةُ الاتحاد. لا يريد أن يرى الكيان الغاصب. وشبابٌ في الداخل يُثير رغبة الوصال دون أن يرى الحواجز أو يسمع أزيز الرصاص. هو الجسد يريد الاكتمال. مناخ الثورة هو الذي ثوّر كلّ الرغبات لتتلاقى على حدود المستحيل. حضورٌ بكامل ألقه. هي الإرادة اليوم محرِّكُ التاريخ. والشباب الفلسطينيّ يريد فلسطين الجسد.
يوم الأرض، الثلاثون من آذار. ذكرى النكبة، الخامس من أيّار. يتوافد الشبابُ الفلسطينيّ إلى حدود فلسطين الجسد، ليرسموا بأجسادهم الحيّة ـ التي ما تزال حيّة، والتي ماتت لتوّها ـ معالمَ جسد فلسطين الذي تاه في كواليس السياسة. هو جسدُ فلسطين يرتسم بقامات أبنائها حتّى في أجزائها العذراء. ثمة اندفاعٌ على الحدود وكأنّه اندفاعٌ موجّهٌ نحو هدفٍ واضح المعالم. هي ذي رمزيّةُ انتفاض الجسد المُغتصب، الجسد الذي يُطهّر سطوحه بيديه ليزيل آثارَ الألم ورائحته. الشباب الفلسطينيّ يرسم معالم فلسطين الجسد، طارقًا كلَّ أبوابها، تحفزه رغبةُ الاتحاد. لا يريد أن يرى الكيان الغاصب. وشبابٌ في الداخل يُثير رغبة الوصال دون أن يرى الحواجز أو يسمع أزيز الرصاص. هو الجسد يريد الاكتمال. مناخ الثورة هو الذي ثوّر كلّ الرغبات لتتلاقى على حدود المستحيل. حضورٌ بكامل ألقه. هي الإرادة اليوم محرِّكُ التاريخ. والشباب الفلسطينيّ يريد فلسطين الجسد.
لا تَخفى على الكثير من المهتمّين بالشأن الفلسطينيّ المحاولاتُ التي تقوم بها حركاتٌ أوروبيّةٌ أمريكيّةٌ في سبيل قيام كيانٍ فلسطينيّ على أرض فلسطين، يُشكّل معادلاً سياسيّاً للكيان الإسرائيليّ، وحلاً دائمًا للقضيّة الفلسطينيّة. ومن المعلوم أيضًا أنّ من أهمّ العقبات التي اصطدمتْ بها هذه المحاولات أوصالَ الجسد الفلسطينيّ المقطّعة من الداخل. فمثلاً شكّلت المستوطناتُ وغور الأردن إحدى أهمّ العقبات في وجه قيام مثل هذا المشروع. وكان أحدَ الحلول بقاءُ هذه الكتل على حالها، مع إعطاء أرضٍ في النقب تكون بمثابة بديلٍ عن الأرض السابقة، بما يسمح بقيام دولةٍ هي عبارة عن الضفّة وغزّة والنقب. لكن هذا الفتات نفسه الذي تسعى إليه الحركاتُ الغربية تتوانى في بذل الجهود لتحقيقه، وذلك بحسب المناخ السياسيّ السائد؛ فهو رهنٌ بتوازن القوى الراهن في المنطقة. وبذلك فقد أُجِّل هذا المشروع نتيجةً للركود السياسيّ العربيّ في الفترة الأخيرة. أما اليوم فنرى محاولاتٍ جادّةً وحراكاتٍ متسارعةً من أجل إنعاش عمليّة السلام ومحاولات التسوية، وذلك في سبيل تسوير المدّ الثوريّ الذي أصبح على مقربةٍ من فلسطين الجسد المغتصب. الغرب، الذي صُعق بالثورات العربيّة كما صُعق الحكّامُ العرب، أمهرُ في اللعب السياسيّ والتعاطي مع الحدث، وأبرعُ في استخدام البراغماتيّة السياسيّة التي ستحاول عبرها كلُّ دولة من الدول العُظمى شدّ الحبل لصالحها، فتكون لها الحصّة الكبرى من مختلف أنواع الهيمنة والاستتباع. الغرب الآن يعيد صياغة معادلاته السياسيّة في المنطقة العربيّة عبر تهليله المصطنع للثورات العربيّة، وعبر إعادة طرح ملفّاتٍ يدرك مدى حساسيّتها لشعوب المنطقة العربيّة. لذلك فإنّ لفلسطين موعدًا مع الأضواء مرةً أُخرى.
هل سيقبل الغرب بمطالب الأفراد العرب الذين أشعلوا ثوراتهم؟ هل سيهلّل للمجتمعات التي يطالب بها الثوّارُ الجدد؟ هل سيقبل ببزوغ ذاتٍ عربيّةٍ تمثّل ندّاً لدول الغرب؟ وإذا ما استطاع الشعبُ العربيّ إنجاز الأهداف المرجوّة، فهل سيقبل بأقلّ من الوطن العربي جسدًا لروحه الحرّ، أو على الأقلّ بنمط من التكتّلات الجيوبوليتيكيّة كشكلٍ جديدٍ لتحالفاتٍ مفترضة في هذه المنطقة؟ وهل يمْكن أن يُغضّ النظرُ عن فلسطين، الجرحِ النرجسيِّ للكرامة العربية، وقلبِ الجسد العربيّ؟ إنّ وعي هذه الاحتمالات هو ما بدأ يشغّل مفاعيل السياسة المتعلقة بفلسطين من جديد، وهو ما يدفع العجلة لتسير بسرعةٍ بقصد تقزيم فلسطين إلى جسدٍ مُختزلٍ بالضّفة وغزّة والنّقب. هذا الجسد يجب أن يكون ذا وحدةٍ سياسيّة، وهو ما أسفرتْ عنه بشكلٍ من الأشكال المصالحةُ بين "فتح" و"حماس" كضرورةٍ عمليّةٍ في سبيل الوصول إلى الاعتراف بفلسطين الجسد. "حماس" الآن غيّرتْ خطابَها كما غيّرتْ أماكنها. الآن ترضى بقيام دولة، وتشترط عدم محاورة العدو، وإبقاء هدف التحرير الشامل. "حماس" تتنازل جزئيّاً عن منطقها الدينيّ الجهاديّ، و"فتح" تتنازل جزئيّاً عن منطقها السلميّ السلطويّ. وهذا يتمّ من أجل الحصول على موطئ جسد. تلك هي بدايات التجسّد، عودة الحقّ إلى طريق العودة، وحقّ الرجوع.
غواية الحريّة
تتلبّس اليوم بالإرادة، وتتعرّى من كلّ زيفها. تنتظر، تترقّب، تتأهّب، تختال، تغتال، تحتال. هي المحرّم المقدّس، الحريّة. فلسطين.
قِبلة المُتديّن باحتضانها المقدّس، ووجهةُ القوميّ لوطنٍ مغدور، وسعيُ الماركسيّ إلى حريّة الشعوب، وجوى الباحث عن قضية، وعشقُ المؤمن بحقوق الإنسان، وغرامُ الكرامة، وبوصلةُ حقّ تقرير المصير، وميزانُ التقوى السياسيّ، والفردوسُ المفقود، والأرضُ الموعودة، والجسدُ المغتصب، والرّوح الطاغي. الأرض، الوطن، فلسطين.
لذلك فإنّ الحريّة في فلسطين غوايةٌ خاصّة، حضورٌ سبّاقٌ إلى التّلون توّاقٌ للانعتاق. أنّى للقوى العالميّة مجتمعة كبح إغواءٍ كهذا؟ على أيّ جبهةٍ ستحارب لتحجب رغبة التحرير؟ بأيّ طريقةٍ ستكفّ العيونُ الشاخصة إلى فلسطين، وهي الغاوية التي تزداد ألقًا بازدياد تمنّعها؟ فكلّما أمعن العالم بالكبت أشعل الرّغبة في التحرير.
لكلّ ما سبق، فإنّ السؤال عن " تأثير الثورات العربيّة في القضيّة الفلسطينيّة" هو الشكل الجديد لتأكيد الحضور الفلسطينيّ. هو الإجابة عبر السؤال. هو دحض الغياب وفنّ الحضور.
تتلبّس اليوم بالإرادة، وتتعرّى من كلّ زيفها. تنتظر، تترقّب، تتأهّب، تختال، تغتال، تحتال. هي المحرّم المقدّس، الحريّة. فلسطين.
قِبلة المُتديّن باحتضانها المقدّس، ووجهةُ القوميّ لوطنٍ مغدور، وسعيُ الماركسيّ إلى حريّة الشعوب، وجوى الباحث عن قضية، وعشقُ المؤمن بحقوق الإنسان، وغرامُ الكرامة، وبوصلةُ حقّ تقرير المصير، وميزانُ التقوى السياسيّ، والفردوسُ المفقود، والأرضُ الموعودة، والجسدُ المغتصب، والرّوح الطاغي. الأرض، الوطن، فلسطين.
لذلك فإنّ الحريّة في فلسطين غوايةٌ خاصّة، حضورٌ سبّاقٌ إلى التّلون توّاقٌ للانعتاق. أنّى للقوى العالميّة مجتمعة كبح إغواءٍ كهذا؟ على أيّ جبهةٍ ستحارب لتحجب رغبة التحرير؟ بأيّ طريقةٍ ستكفّ العيونُ الشاخصة إلى فلسطين، وهي الغاوية التي تزداد ألقًا بازدياد تمنّعها؟ فكلّما أمعن العالم بالكبت أشعل الرّغبة في التحرير.
لكلّ ما سبق، فإنّ السؤال عن " تأثير الثورات العربيّة في القضيّة الفلسطينيّة" هو الشكل الجديد لتأكيد الحضور الفلسطينيّ. هو الإجابة عبر السؤال. هو دحض الغياب وفنّ الحضور.
دمشق
ناريمان عامر كاتبة سورية. طالبة دكتوراه.
ناريمان عامر كاتبة سورية. طالبة دكتوراه.
المصدر: مجلة الآداب » عدد ٧-٩ /٢٠١١
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق