الأحد، 27 نوفمبر 2011

سعيد ناشيد: أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير لن ينتج غير الهمجية حوار: حسن سلمان

 

2323بعد مرور حوالي عام على الحراك الشعبي الاستثنائي الذي يجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج، يبدو من المنطقي والملح أن نحاول وضع توصيف منطقي وتقييم علمي وفكري لما يحدث في ظل وجود محاولات فكرية "خجولة" لا ترقى لمستوى الحدث .
والسؤال: هل نحن أمام "ربيع عربي" لم تنضج ثماره بشكل جيد؟ أم "مؤامرة غربية" أو "سايكس بيكو جديدة" -بتعبير هيكل- لإعادة تقسيم العالم العربي؟ أم "ثورة معلوماتية شابة" تستمد قوتها من الحرية التي توفرها الشبكة الدولية عامة ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص؟

نستطيع أن نستعمل نظرية المؤامرة لتفسير كل شيء، وأي شيء، ولا شيء. لكن، بمعزل عن الاستيهامات التي قد تثيرها نظرية المؤامرة، يمكن القول أن ثورة تونس - فاتحة الثورات العربية - فاجأت كل العقول والتوقعات، وبعثرت كافة الأوراق والحسابات.
من العبث أن نتصور وجود أي مركز للدراسات الاستراتيجية في العالم، مهما بلغ من إمكانيات مالية وبشرية، كان بوسعه أن يتوقع متى وأين يمكن أن تندلع أول ثورة شعبية في القرن الواحد والعشرين؟ بل المسلّمة الشائعة قبل انتصار الثورة التونسية، أن عصر الثورات مضى وانقضى، ولم يبقَ هناك من ممكن سوى العنف المجاني والإرهاب العبثي، لا سيما في العالمين العربي والإسلامي.

فجأة، وخارج كل التوقعات، اندلعت ثورة شعبية مطالبة بالديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأنجزت أعز مطالبها وأهم أهدافها، لكن أين؟ في بلد عربي ومسلم! هذا لم يكن ضمن مدركات أي خيال سياسي - على الأقل منذ فشل محاولات التحول الديمقراطي في الجزائر والعراق - بل كان التساؤل لا يزال ينصب حول أسباب تأخر العرب والمسلمين عن الوعي الديمقراطي.

لقد وضع ربيع الثورات العربية حدّا لأسطورة "الاستثناء الإسلامي"، وفتح المنطقة على إمكانية تحول ديمقراطي يشمل كافة التيارات، من أقصى اليسار العلماني إلى أقصى اليمين الديني، وجعل ذلك التحول مشروع سنوات محدودة أو شهور معدودة، بدل أن يكون مشروع الجيل الذي لم يولد بعد، كما كان تصور الكثير من النخب السياسية والثقافية.

حين يقرر الإنسان المغلول بالقيد والقهر أن يراهن بحياته من أجل الحرية والكرامة، حين يصرخ الشعب التونسي: "نموت نموت ويحيا الوطن"، حين ينشد الشعب السوري: "الموت ولا المذلة"، حين ينهار جدار الخوف فجأة ويقول الإنسان المصري في وجه الطاغية: "كفاية"، فمن العبث أن نبحث عن مصادر التحريض والمؤامرة خارج وعي "العبد" بنفسه. نعم، ثمة تحريض، لكن التحريض نابع من وعي الإنسان بذاته كذات، أي كإنسان.

فيما تتهاوى الأنظمة العربية تباعا، تبدو الفرصة مؤاتية للتيارات الدينية لملء الفراغ السياسي بعد ملئه اجتماعيا، وربما هذا ما يفسر إصرار بعض الأنظمة السياسية على إلباس الحراك الشعبي طابعا دينيا "متطرفا" اعتمادا على الرصيد الكبير لهذا التيارات في المجتمعات العربية.
والسؤال: كيف تفسر النجاح الكبير الذي حققه الإسلاميون (فوز حزب النهضة بحوالي نصف المقاعد في الانتخابات) في تونس؟ هل هي رغبة التونسيين بالقطع نهائيا مع نظام استبدادي استمر لربع قرن؟ أم أنه نتيجة دعم خارجي للحركات الإسلامية في العالم العربي؟ أم هي زيادة "التدين" أو اللجوء للإسلام كمخلص في المجتمع التونسي؟

بكل وضوح، مشكلة الإسلاميين أنهم يريدون الدخول إلى عصر الحداثة وحقوق الإنسان، وهذا من حقهم ولا يمكننا إنكاره عليهم، بل هو مكسب صريح للجميع، لكن الملاحظ أنهم في المستوى الفقهي والكلامي واللاهوتي، لم يستطيعوا تجاوز السقف الاجتهادي للإخوان المسلمين، ليوسف القرضاوي، لهيأة علماء المسلمين، ولقناة الجزيرة القطرية، وهو سقف اجتهادي متدن، لكنهم عاجزون عن تجاوزه.

مفكرو الإسلام السياسي الكبار، الذين رافقوا مرحلة التأسيس، أمثال مالك بن نبي وعلي شريعتي، لا يجيبون عن أسئلة اليوم. مكانهم داخل الإسلام السياسي بقي شاغرا، يملأه في الغالب الفقهاء والوعاظ وعلماء الدين التقليديون.

كان مفكرو الإسلام السياسي في مرحلة التأسيس مجددين داخل إيديولوجية عالمثالثية، وكان حلمهم هو بلورة مشروع حضاري بديل عن الغرب، ويشمل العالم الإسلامي. ثم انحدر سقف الحلم، وبدل التفكير في إنجاز مشروع حضارة جديدة في المنطقة الإسلامية، أصبح حلم الإسلام السياسي هو أسلمة الغرب.

بمعنى أن الإسلام السياسي أراد أن يقول: إذا لم نكن قادرين على تجاوز الغرب أو التفكير من خارجه، ولا حتى انتقاده كما يفعل المفكر العملاق إدوارد سعيد، وإذا كان الغرب "قضاء وقدر" فلنكتف بأسلمته.

طبعا لست ضد أن ينتشر الإسلام في الغرب، وفي المقابل لست ضد أن تنتشر المسيحية في الشرق، لكن الذي أرفضه هو أن يصبح انتشار الإسلام رهانا سياسيا وإيديولوجيا لحركات ستتسلم مقاليد الحكم.

الواقع أن الخطاب الإيديولوجي ليوسف القرضاوي وطارق رمضان وراشد الغنوشي وفهمي هويدي وغيرهم، لا يزال في محاججاته خطابا متعلقا بهذا الوهم العظيم.

أيا يكن، فحتى لو أسلم غدا كل سكان أوروبا وأميركا والصين، فالحاصل أن أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير وحقوق الإنسان، لن ينتج غير الهمجية. هذا هو الدرس الأهم.
نعم، الجميع يقر بأن هويتنا عربية إسلامية - وإن كان البعض يقولها على خجل أو لمجرد المزايدة السياسية - إلا أن هويتنا عربية إسلامية وستبقى كذلك إلى أجل غير مسمى. غير أن الإسلام لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في مجرد دين.

دعني أجدد التوضيح التالي: العلمانية لا تعني فصل الإسلام عن الدولة أو عن السياسة، وإنما تعني فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة. حين نقول أن هويتنا إسلامية فليس يعني ذلك أنها هوية دينية.
ومثلا، حين نتحدث عن الفكر الإسلامي، أو الفلسفة الإسلامية أو المعمار الإسلامي أو المطبخ الإسلامي، فلا يعني ذلك أننا نتحدث عن الدين. اللهم إذا كنا سنحوّل الدين إلى إيديولوجية شمولية، مثلما فعل الإيرانيون بعد الثورة.

ليس هناك عاقل يدعو إلى الاستغناء عن الدين. لكن مشكلة الخطاب الديني أنه لا يزال - في غياب إصلاح ديني ولاهوتي جذري - ينتمي إلى العالم القديم، عالم البيعة والطاعة والشورى ونحو ذلك. في حين أن السياسة أصبحت، منذ ما يقارب قرنين من الزمن، تنتمي إلى العالم الجديد، عالم الانتخابات والديمقراطية، والتعددية، والعقد الاجتماعي، وفصل السلطات، والتداول على السلطة، ونحو ذلك.

وهنا بودي القول إن الإسلام السياسي أخفق في استيعاب كلا العالمين تبعا لمبتغاه. وصدقا، لا يمكن للرجل الشرقي أن يستمر في لعبة عشق امرأتين في نفس الوقت: واحدة تقليدية للتناسل، وثانية عصرية للترفيه. الانسجام مطلب من مطالب الصحة النفسية والأمن الروحي.
الإسلام السلفي اختار المعشوقة التقليدية، وهو يقاوم كل إغراءات المرأة العصرية، في حين أن الإسلام السياسي لا يزال يبدل جهودا مضنية لأجل الفوز بالحسنيين، ما يثير ارتباكا في الخطاب وضبابية في الرؤية.

أعتقد أن الجيل الجديد من الإسلام السياسي، لم يعد يتحمل هذه الازدواجية، لذلك ثمة توتر وقلق وبحث دؤوب عن منظورات جديدة. شجاعة العدالة والتنمية التركي أنه أعلن الطلاق البائن (بينونة كبرى) مع مفاهيم وتصورات العالم القديم، واتجه إلى تبني خطاب الحداثة شكلا ومضمونا.

بكل تأكيد، ثمة حركات إسلامية دينية تقليدية تمثل الأغلبية الساحقة داخل الإسلام السياسي، لكن ثمة في المقابل حركات إسلامية غير دينية، أي مدنية، لعلها حالات قليلة جدا، لكنها أكثر فاعلية حين تجد الأيادي ممدودة، من قبيل العدالة والتنمية في تركيا، والذي لم يعد يصنف نفسه ضمن الأحزاب الإسلامية - ربما هو نوع من ما بعد الإسلامية - وربما يكون حزب النهضة في التونسي في بداية الطريق، لكنها بداية مفتوحة على كل الاحتمالات، لا سيما وأن النهضة حزب غير متجانس وإنما يتألف من ألوان طيف متضاربة في بعض الأحيان.

آمل أن نشهد في الزمن المنظور ظهور مفكرين جدد داخل الإسلام السياسي، يستطيعون تجديد الرؤية الفكرية بما يتناسب مع أسئلة الجيل الحالي.
إذ لا يعقل أن تبقى قدرات التطور النظري واقفة عند حدود مرجعية يوسف القرضاوي وهيأة علماء المسلمين والإخوان المسلمين وقناة الجزيرة في قطر - علما بأن الشيخ راشد الغنوشي نفسه يقر بمرجعية القرضاوي - بل، علينا أن لا ننسى أن انتقال حزب العدالة والتنمية التركي من الإسلام الديني إلى الإسلام المدني، ليس نتيجة حراك سياسي فقط، وإنما هو ثمرة اجتهادات فكرية جريئة وجذرية.
في الانتخابات التونسية الأخيرة، كان الناخب التونسي مدركا بأنه يصوت على مجلس تأسيسي، من أهم مهامه صياغة دستور الجمهورية الثانية.

وإذا أعدنا قراءة نتائج الانتخابات سنلاحظ أن الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى حزب إسلامي لكنه، خلاف معظم إسلاميي المنطقة، لا ينكر الحداثة، والحزب الذي حصل على المرتبة الثانية حزب علماني، لكنه، خلاف معظم علمانيي المجتمعات المغاربية، لا ينكر الهوية القومية. ما يعني أن الناخب صوت على قوى الاعتدال سواء إسلامية أو علمانية.

الناخب صوّت على العنوان الإسلامي والعربي للجمهورية التونسية. لكنه، بعد هذا العنوان العريض للانتماء الحضاري، يرفض أي إيديولوجية قد تعيد تونس إلى العالم القديم، وإلى عالم تعدد الزوجات وبيعة الإمام وطاعة الزوج والحاكم.
لذلك نفهم كيف أن حزب النهضة الإسلامي كان أيضا مطالبا، بل ومحاصرا أحيانا، بأسئلة من طرف النخب والناخبين، تتعلق بضرورة التزامه بمكتسبات المرأة التونسية وبالمواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وعدم المساس بمستلزمات السياحة، وما إلى ذلك.
لكني في المقابل، أود أن أتساءل أمام العلمانيين والإسلاميين على حد سواء: لماذا نلاحظ أن النماذج الأكثر تقدما وانفتاحا للحركات الإسلامية، موجودة فقط، أو في الغالب، داخل الدول التي تعرضت لقدر معين من العلمنة، مثل تركيا وإلى حد ما تونس؟ وهل يمكن لهذه النماذج أن تبرز دخل مجتمعات عربية أخرى شهدت أقل قدر من العلمنة، مثل مصر أو الأردن أو المغرب؟ هل يمكنها أن تظهر في مجتمعات لم تشهد أي جهد للعلمنة، مثل السعودية؟

هذا يدفعنا إلى أن نعيد النظر في تقييمنا لصعود نجم العدالة والتنمية في تركيا، حين نعتبره إخفاقا للعلمانية. لا، ليس الأمر كذلك. عندما يدعو زعيم حزب العدالة والتنمية التركي رجب طيب أردوغان الحركات الإسلامية في العالم العربي إلى تبني خيار العلمنة، فهذا يعني أن العلمانية - والتي لم تبقَ متصلبة، وهذا طبيعي - قد كسبت في الأخير حليفا مهما. أو هذا هو المأمول. هذا الحليف الجديد قد يحمل اسم الإسلام المدني، فيما لو تبناه مفكرون جذريون وجريئون.

هل يمكن تعميم التجربة التونسية على بقية الدول العربية أو معظمها، على اختلاف ظروفها؟ بمعنى هل يمكن القول إن الربيع العربي سيأتي بحكومات إسلامية (كما يؤكد الوزير البريطاني ألستير بير)؟ وهل نحن أمام انحسار الفكر العلماني واليساري مقابل مد إيديولوجي إسلامي؟ وما أثر ذلك على التقاليد المدنية الراسخة منذ نصف قرن في عدد من البلدان العربية (تونس مثلا)؟

كل تعميم هو مجرد تعتيم؛ فلا الإسلاميون من طينة واحدة، ولا العلمانيون من نفس الطينة. فضلا عن أن ظروف كل بلد تختلف. دون ذكر النسيج الاجتماعي والطائفي الذي يختلف من بلد لآخر.
وفي كل الأحوال، حتى على افتراض وصول حكومات إسلامية في جل مجتمعات الربيع العربي، لن تكون النتائج نفسها. فالإسلام عنوان عريض يحتمل إيديولوجيات متنافرة، من الملا عمر إلى رجب طيب أردوغان، ومن أيمن الظواهري إلى طارق رمضان.
وبكل صدق، حزب النهضة التونسي يعدنا سياسيا بالكثير من الانفتاح على قيم الحداثة وحقوق الإنسان، غير أن اجتهاداته تظل في المستوى السياسي فقط، في حين أن رؤيته الفقهية واللاهوتية لم تتجاوز بعد الإيديولوجية المحافظة المتمثلة في الإخوان المسلمين والشيخ القرضاوي وهيأة علماء المسلمين وقناة الجزيرة. وهو سقف هابط فقهيا ومنحدر فكرياً عن السقف المطلوب لاستيعاب الجيل الأخير لحقوق الإنسان بلا حرج ومن دون تحفظ.

المشكلة أن بعض الحركات الإسلامية المغاربية التي تحاول أن تقلد حزب النهضة التونسي، سقفها أكثر هبوطا حتى من السقف الإخواني أحيانا؛ وذلك بسبب التكوين الفقهي التقليدي للزعامات.
ولنعترف، لعل وجود حركة إسلامية عاقلة في تونس - وهذا ما يجب الاعتراف به - يرتبط بمستوى العلمنة داخل التعليم التونسي. لكن، يصدق هذا الاستنتاج على تركيا بنحو أوضح.
وهنا أود التنبيه إلى أن الهزيمة الانتخابية للعلمانيين، في بعض الأحيان، قد لا تعني بالضرورة هزيمة العلمانية نفسها، بقدر ما تعني أن العلمانية كسبت حليفا جديدا.
أعتقد أن إمكانية التحول المدني والعلماني متوفرة في الإسلام، بل تكاد تتوفر فيه أكثر من أي دين آخر، وهذا ما أكدته في كتابي السابق "قلق في العقيدة". وإن كان ثمة تشدد في مستوى الشريعة، فما ذلك إلا للتغطية على المرونة الأصلية للعقيدة، والتي هي عقيدة بلا شروط ولا اشتراطات ولا قيود ولا مؤسسات.

وكما أن تشدد الشريعة يجد صداه عند معظم حركات الإسلام السياسي، فلا أستبعد في المقابل أن يجد انفتاح العقيدة صداه عند بعضها الآخر. وبالمناسبة، لا أخفي تفاؤلي بالتقارب الذي يحدث في مصر بين الناشطين المدنيين والصوفيين والأزهريين، في مكافحة أوهام الدولة الدينية. لكن، لا يكفي هنا التفاؤل. فدورنا كمفكرين ومثقفين عقلانيين هو المقاومة بشجاعة وحكمة وهدوء.


في ذات السياق، يرى البعض (ومنهم حميد زناز) أن تونس تستبدل ديكتاتور يدّعي العلمانية بآخر ملتحٍ يسعى لإقامة الدولة الإسلامية الوهمية، بالمقابل يرى آخرون أن الوقت قد حان لإعطاء الإسلاميين الفرصة للحكم (لتبيان حسن النوايا) بعد سنوات من "الاستبداد العلماني"، ما رأيك بذلك؟

المفكر العقلاني لا يبني تقديراته على استقراء النوايا أو التفتيش في الضمائر. المفكر العقلاني يهتم بتحليل الوقائع والعلامات والخطاب. وفي هذا المستوى، فإن مثل هذه القراءات لا دليل لها ولا دليل عليها.

أبقى في إطار السؤال السابق، هل العالم العربي مرشح لأي من النماذج التالية "إيران"، "السعودية"، "تركيا"، "طالبان"؟ أم ثمة نموذج آخر (تعددي) أكثر قابلية للحكم (تقول في إحدى مقالاتك "في تونس انتصر التعدد السياسي، وفي ليبيا انتصر تعدد الزوجات"؟


سنكون أمام مخاطر جديدة مفتوحة على عدة احتمالات وعلى نماذج متنوعة، لكن المؤكد أن شروط العودة إلى الدولة الشمولية تحت أي إيديولوجية كانت، لم تعد متوفرة. المؤكد أيضا أن تقنيات التواصل اليوم ومنتديات التواصل الاجتماعي قد أوجدت مساحات جديدة للمقاومة. ثم إن الطبيعة اللامركزية لأنظمة الحكم، وتشابك فعاليات المجتمع المدني، وترابط آليات السوق، كل ذلك يمنع إمكانية أي تحكم شمولي في مصائر الناس، ولو باسم الدين.

في تقديري، إن إمكانية نجاح تجربة التحول الديمقراطي في تونس تقوم على ثلاث مقومات: أولا، دور الجيش في حماية أهداف الثورة من دون أن يتدخل في السياسة؛ ثانيا، قوة الطبقة المتوسطة كضامن للاستقرار ومورد للنخب السياسية والثقافية؛ ثالثا، الإرث العلماني الوطني للحبيب بورقيبة، والذي لا ننسى أنه، بعد أن تحرر من قبضة الدولة الأمنية، أدار العملية الانتخابية بكامل النزاهة والتجرد.

في مصر يختلف الأمر. فهناك تدخل كامل للجيش، وغياب شبه كلي لأي إرث علماني، وضعف للطبقة المتوسطة. إلا أني لا أذهب إلى حد تشاؤم من يعتقدون بأن مصر واقعة بالضرورة بين خيارين لا ثالث لهما: إما الدولة العسكرية أو الدولة الدينية.
ثمة إمكانية لنجاح التحول الديمقراطي نحو دولة مدنية. غير أن ذلك رهين بمستقبل التعاون الاستراتيجي بين الفاعلين الأساسيين في مقاومة أوهام الدولة الدينية: التيارات المدنية، والحركات الصوفية، ومؤسسة الأزهر، والكنيسة القبطة، والمثقفون.


ما هو دور النخب العربية -يرى البعض أن المثقفين لم يساهموا بالثورات العربية لكنهم حاولوا ركوبها لاحقا ونسبها لأنفسهم- في ظل الواقع العربي الإسلامي الجديد؟ وما سبب خوف بعض المثقفين العرب من الواقع الجديد ووقوفهم إلى جانب "الثورة المضادة" كما تشير في إحدى مقالاتك؟


ليس من الإنصاف أن ننكر مساهمة المثقفين في الثورات، وأن نزعم أنهم يحاولون فقط الركوب عليها. فبالأدلة التنظيمية، كان المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي عضوا نشيطا في هيأة حماية أهداف الثورة، وكان برهان غليون رئيسا للمجلس الوطني السوري. بل الملاحظ أن انتفاضة سيدي بوزيد بتونس، ومنذ اندلاعها عقب احتراق البوعزيزي، ساندتها ودعمتها نقابات المحامين والأساتذة. وهؤلاء هم الطليعة المثقفة في منطقة سيدي بوزيد.
لا ننكر أن بعض المثقفين يتخوفون من الاختطاف الأصولي للثورة كما حدث للثورة الإيرانية. وهذا التخوف طبيعي؛ فأمام غياب اجتهادات فقهية ودينية ولاهوتية تواكب تطور الوعي السياسي للحركة الإسلامية، يظل النكوص ممكناً.

لكن، في مجال صناعة التاريخ لا شيء محسوم سلفا ومسبقا. أهم النتائج عادة ما لا تكون متوقعة. ولذلك، أيا يكن، فلا يعقل أن نرفض الثورة أو الحرية أو الديمقراطية بدعوى أنها قد تُسرق. وإلا، سيكون شبيها بذلك المحارب المعتوه الذي يقتل زوجته لكي لا يغتصبها خاطفوها.

بكل نزاهة، لا أملك جوابا آخر عن المخاوف المشروعة من حدوث أي انقلاب أصولي على أهداف ربيع الثورات العربية، سوى جواب واحد: المقاومة.
لكن، لا ننسى في المقابل، أن بعض الحداثيين، من أشباه المثقفين، بإصرارهم على القطيعة مع كل أشكال الهوية أو تفكيكها إن أمكن، إنما يديرون ظهورهم للشعوب، ويمثلون خيانة للمشروع الحداثي التنويري نفسه، والذي لا يقوم على أساس الفراغ الهووي (من الهوية) إلى حد العدمية أحيانا، وإنما يحتاج إلى أرض، وثقافة، ولغة، وتاريخ، ومتخيل، وبشر نتقاسم معهم خبزهم ولغتهم وأحلامهم، ونحبهم ونتعاطف معهم، قبل أن نفكر في تغييرهم.


ما هو نوع الفكر الذي يمكن أن ينتجه الحراك العربي الجديد على الصعيد العربي والدولي (الماركسية والاشتراكية والشيوعية والوجودية والبنيوية والتفكيكية وما بعدها جاءت كرد فعل على حروب أو أزمات أو حراك دولي معين)؟


يبدو أننا نحتاج إلى ما يسميه إدغار موران بالفكر المركب. فقد أصبح التفكير الخطي والبسيط عاجزاً عن تفسير الكثير من الظواهر المركبة. أعطيك مثالا: كيف نفسر وجود امرأة غير محجبة عضو في المجلس التأسيس التونسي باسم حزب النهضة الإسلامي؟ مثال ثان: كيف نفسر أن الزوايا الصوفية وجامع الأزهر يساندان القطب الحداثي في مواجهة الإخوان المسلمين والسلفيين في مصر؟ مثال ثالث: كيف نفسر أن تركيا نجحت خلال مرحلة حكم حزب العدالة والتنمية في تحقيق مجمل معايير الاتحاد الأوروبي؟
البرغماتية السياسية لا تفسر كل شيء. ثمة أنماط جديدة من الوعي المنفلت من عقال القواعد التبسيطية.

وفي كل الأحوال، نحن أمام حالات جديدة يعجز الفكر الخطي البسيط على استيعابها، اللهم إذا كنا نستعين بالاستيهامات من قبيل وجود مؤامرة، أو أجندة سرية، أو نحو ذلك.
الأنساق المغلقة، والتي تزعم القدرة على الإجابة القبلية والشاملة عن كل الظواهر وإنتاج مواقف جاهزة، أصبحت متجاوزة، ووظيفتها الوحيدة المتبقية أن تعرقل آليات التوافق والتفاهم والتواصل المفتوح. في المستقبل لن يكون هناك مكان لغير الأنساق النظرية المفتوحة، المتحولة، المرنة، المركبة، والخاضعة في كل لحظة للتفاوض.

لقد ظهرت النزعات التفكيكية كخيار فكري في مواجهة الأنساق الشمولية المنتجة للنازية والفاشية والستالينية. أعتقد أن الانتكاس إلى الشموليات الاستبدادية لم يعد ممكنا في عصر التواصل الجماهيري الواسع. من هنا نحتاج إلى الانتقال من دينامية التفكيك إلى دينامية التركيب. هذا الانتقال بدأناه في عدة مجالات: من بينها أننا في المجتمع المدني نتحدث عن التشبيك، وفي التعليم والتكوين نتحدث عن الإدماج، وفي التنمية نتحدث عن التنمية المندمجة وعن المقاربة الشمولية.

ليست هناك معرفة نهائية وقطعية، وإنما كل شيء خاضع للتفاوض، من الدرس الذي يقترحه الأستاذ في القسم، إلى منهجية العلاج التي يقترحها الطبيب في المشفى، إلى المشاريع التنموية الكبرى للدول. بل حتى الحقيقة العلمية نفسها تتجه اليوم نحو منطق القابلية للتفاوض.

خذ مثلا قضايا الجينات والهندسة الوراثية والطاقة البديلة، كل هذه القضايا وغيرها لن تبق في المستقبل القريب مجرد حقائق علمية مجردة وخاضعة لأنساق صورية أو تجريبية صارمة، بحيث يتصرف فيها العلماء وفق مشيئتهم داخل أسوار الجامعات والمختبرات، بل تتجه نحو الاندراج ضمن الفضاء العمومي.
إننا نتجه نحو نوع من العقلانية التي تجعل كل شيء قابل للتفاوض. وهنا بالضبط يكمن الدور التثقيفي للمفكر في إدارة النقاش العمومي، بعيدا عن ادعاء امتلاك نظرية سحرية تفسر كل شيء أو تتنبأ بكل شيء.

عطفا على ما مضى، ثمة من يروج لفكرة أن دول "المغرب العربي" قد تسحب الثقل الاقتصادي والثقافي من دول "المشرق العربي" (ليبيا قد تصبح مركزا اقتصاديا ومرتعا خصبا للاستثمارات الغربية على غرار الخليج، وتونس قد تنافس عواصم الثقافة التقليدية مدعومة بمناخ الحرية الجديد)، ما مدى قابلية هذه الفكرة للتحقق على أرض الواقع؟ وإلى أي مدى سيكسر الربيع العربي الحواجز (الاجتماعية والثقافية خصوصا) التي شيدتها ودعمتها الأنظمة السياسية البائدة؟

لا أظن أن الوضع في ليبيا بتلك البساطة. في ليبيا لم تكن هناك دولة ولا نظام سياسي ولا قانون ولا قضاء ولا مؤسسات ولا تنظيمات، كان هناك فقط معمر القذافي الذي انتزع كل الألقاب (القائد، الفاتح، ملك ملوك إفريقيا…) ما عدا لقب رئيس سابق، وهناك لجان ثورية تحصي الأنفاس، وكان هناك كتاب خرافات يسمى بالكتاب الأخضر.
ليبيا اليوم دولة تولد من العدم. هذا لن يكون تحديا سهلا. أما وعود الرخاء والازدهار فهي أبعد ما يكون عن الممكن السياسي. فأمام ليبيا تحديات أمنية، تتعلق بحجم السلاح المنتشر في بلاد صحراوية شاسعة الأطراف، وبالسيطرة الميدانية للسلفيين المتشددين.
في غياب تقاليد مدنية، وقوة الإسلام السلفي، قد تصبح ليبيا نسخة ثانية للسعودية؛ دولة رهينة في أيدي التيار السلفي المهيمن، وتسبح فوق ثروات هائلة من دون تنمية اجتماعية أو ثقافية أو بشرية أو سياسية.

أما تونس فلديها كل الإمكانيات البشرية لتصبح مرجعا للتنمية السياسية والاجتماعية والبشرية والثقافية.
المشكلة أن أسواق المال لا تزال تطالبنا بالنمو الاقتصادي ولو على حساب التنمية الاجتماعية. والخوف كل الخوف، أن تسعى الحكومة التونسية القادمة إلى كسب شهادة حسن السلوك من أسواق المال، على حساب التنمية الاجتماعية والتي هي المطلب الأول للشعوب الثائرة شرقا وغربا.

زرت تونس بعد الثورة مرتين، وبوسعي أن أقول إن الشعب التونسي عاشق للحياة، وهو يميل إلى الانضباط بنحو تلقائي وعفوي.
تونس بلد يتمتع بعمق حضاري وثقافي، وتمتزج فيه دينامية التنوع بروح الانسجام. ليس هناك تنافر كبير بين المثقفين الناطقين بالعربية والمثقفين الناطقين بالفرنسية، كما هو الحال عندنا في المغرب. ليس هناك تباغض كبير بين العلمانيين والمدنيين من جهة وبين الإسلاميين والدينيين من جهة ثانية، كما هو الحال في مصر. ليست هناك طوائف متباعدة كما هو حال لبنان.

داخل الهيأة العليا لحماية أهداف الثورة، وداخل اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات، لم يكن هناك غير اليساريين والعلمانيين والمدنيين، لكن الانتخابات كانت حرة ونزيهة وشفافة، وكان النصر حليف الإسلاميين، ومع ذلك رضي الجميع.
لكن الحقيقة أيضا، أن أغلب النخب في الفكر والثقافة والإبداع والسينما والموسيقى والإدارة والأعمال لم تساند حزب النهضة. وأن الجيش التونسي الذي لم تتلطخ أياديه في السياسة، يحظى بكامل المشروعية الأخلاقية لكي يسهر على حماية الديمقراطية ويحميها من أي التفاف محتمل.

هذا يعني أن أمام حزب النهضة جهد كبير لأجل تبديد المخاوف. وكل الأمل أن يساهم بصدق في إثارة نقاشات فكرية قد تطور الرؤية الإسلامية وتقدم نموذجا اجتهاديا يتجاوز سقف الإخوان المسلمين.
تونس تحوي موارد بشرية هائلة في تجديد الفكر الإسلامي، وأسماؤها في هذا المجال أعلام ترفرف في سماء الاجتهاد والتجديد. وهذا يكفي لكي يبرر الآمال.
تونس محكوم عليها بأن تكون أملا لثورات كانت، ولا تزال، ثورات بلا أوهام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق