كانوا صوت الشعب في لحظات الهزيمة والقهر والانكسار، وكانوا سوطه في مواجهة غشم السلطة، كانوا مع الشعب وضد السلطة سواء كانت سلطة الأجنبي المحتل، أو سلطة النظام الظالمة، دفعوا ضريبة أن يكونوا أصوات الشعب: تشرد ونفي وسجن ومرض.
الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي واحد من عباقرة الشعر الذين رحلوا زهورا. لم يعش سوى 25 عاما، لكنها كانت كافية لتضعه في مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي.
ورغم مرور 77 عاما على رحيله، ها هو يتحول مع ثوار ميادين التحرير والحرية في العواصم العربية إلى شاعر بدرجة ثائر، وتصبح قصيدته الفذة «إرادة الحياة» بمثابة أيقونة على حناجر الثوار:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القَـدر
ولا بـدَّ لليـل أن ينجلـي
ولا بدَّ للقيد أَن يـنكسـر
ومن لَم يُعانقه شوق الحيـاة
تَبخَّـر في جوهـا واندثـر
فويل ل.مَن لم تَشُقْـهُ الحياة
من صفعـة العـدم المنتصر
كذلك قالـت لـي الكائنات
وحدثنـي روحـها المستتر
عاشق الطبيعة
ولد أبو القاسم الشابي في يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من فبراير عام 1909 في بلدة الشابية إحدى ضواحي مدينة توزر التونسية التي اشتهرت بمناظرها الجميلة الخلابة، كأشجار النخيل وبساتين البرتقال وعيون الماء، وقد لعبت هذه المشاهد الفاتنة دورا في شاعرية الشابي فيما بعد.
الأب هو الشيخ محمد الشابي الذي ذهب إلى مصر في شبابه، وعاد إلى تونس حاملا إجازة من الأزهر، وبعد عودته عين قاضيا، وتنقل بين المدن التونسية حتى داهمه الموت بعد رجوعه إلى بلدته توزر، ولقي ربه عام 1929 تاركا وراءه ثلاثة أبناء: أبو القاسم، محمد الأمين، عبد الحميد، والثاني كان أول وزير للتعليم في الوزارة الدستورية الأولى في عهد الاستقلال، فتولى المنصب من عام 1956 إلى عام 1958م.
تدرج أبو القاسم الشابي في مراحل التعليم المختلفة حتى تخرج من جامعة الزيتونة العريقة، وفي الوقت الذي كان يحمل فيه شهادته الجامعية، كانت أعراض المرض بدأت في مهاجمة قلبه الضعيف، وحذره الأطباء من عواقب الإجهاد البدني والفكري، لكنه ضرب بتحذيراتهم عرض الحائط، وقرر الزواج نزولا على رغبة والده.
مستودع أحزان
كان الشابي مصابا بضيق الأذينية القلبية مما يجعل تدفق الدم في الشرايين صعبا. وقد ازدادت حالته سوءا بسبب الصدمات التي تعرض لها، ومنها موت محبوبته الصغيرة. يقول الشابي في احدى يومياته: «آه يا قلبي! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني، وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي»، وبناء على نصيحة الأطباء أخذ الشابي يتنقل بين المصايف والمشاتي التونسية، لكن حالته كانت تزداد سوءا مع الوقت.
للناقد الكبير الراحل رجاء النقاش كتاب بعنوان «أبو القاسم الشابي.. شاعر الحب والثورة»، وهو العنوان الذي يلخص بدقة حياة هذا الشاعر الكبير، فهو شاعر الحب حيث ينتمي شعره إلى المذهب الرومانسي، ففي شعره تلمح التغزل في الطبيعية والحب اليائس وسيطرة فكرة الموت:
أيها الحب أنت س.ـرُّ بلائـي
وهمومـي وروعتي وعنائي
ونحولي وأدمعي وعـذابي
وسقامـي ولوعتي وشقائي
أيها الحبّ قد جَرَعتُ بك الحز
ن كؤوساً وما اقتنصت ابتغائي
تحريض على الثورة
وهو شاعر الثورة بامتياز، حيث كانت أبياته بمنزلة سياط تلهب ظهور المحتل، وتحرض أبناء بلده على الثورة والنضال والمقاومة، كانت أبياته تقض مضاجع الظالمين وأنصار التقاليد البالية والأرواح الغبية التي تكره النور وتبشر الطغاة بإرادة الشعب وثورته، لذا لم يكن غريبا أن يظهر الشابي نجما لامعا في ربيع الثورات العربية، وتتحول قصيدته «إرادة الحياة» إلى أيقونة في ميادين الحرية.
رحل أبو القاسم الشابي في مستشفى الطليان في العاصمة التونسية في التاسع من أكتوبر من عام 1934، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه توزر ودفن فيها، ورغم أن حياته كانت أشبه بومضة إلا أن شعره ظل خالدا، وقد تمت إضافة بيتين من قصيدته «إرادة الحياة» إلى النشيد الوطني لتونس «حماة الحمى» الذي كتب كلماته مصطفى صادق الرافعي، ولحنه أحمد خير الدين، وهو النشيد الذي اعتمد رسميا كنشيد وطني عام 1987.
جريدة القبس
لاثنين 01 اغسطس 2011 ,29 شعبان 1432 , العدد 13713
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق